صفقة الهوان الأوروبي: كيف استسلمت بروكسل لترامب ولماذا يجب التراجع فوراً؟

ترجمة – نبض الشام
وُصف الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، الذي أبرمته أورسولا فون دير لاين، بأنه خنوعٌ مهينٌ لأوروبا، وخطأ استراتيجي جسيم أمام ضغوط ترامب. يمثل الاتفاق ضربة لمصداقية الاتحاد دولياً، وتنازلات اقتصادية طويلة الأمد، واستثماراً كارثياً في الاقتصاد الأميركي. ومع غياب التوازن والمساءلة، لا يزال بالإمكان وقف هذا الانحدار وإعادة تشكيل مسار السياسة الأوروبية.
إذلال في ملعب الغولف
الاتفاق الذي وُقّع في ملعب ترنبيري، معقل ترامب، لم يكن سوى خضوع واضح لرغباته. الاعتقاد بأن هذا التنازل سيُنهي الابتزاز الأميركي كان إما ساذجاً أو غارقاً في وهم سياسي خطير. وبدلاً من رد الضغوط بالرفض، كما فعلت دول مثل كندا والصين والبرازيل، فضّل الاتحاد الأوروبي مسايرة واشنطن.
ضربة لمكانة أوروبا
الصفقة تُضعف من صورة الاتحاد كمدافع عن نظام التجارة العالمي القائم على القواعد. في وقت تنتظر فيه دول العالم موقفاً أوروبياً حازماً، جاءت الاستجابة في الاتجاه المعاكس تماماً: خنوع سياسي وتآكل في مكانة بروكسل كمفاوض عالمي.
خسارة اقتصادية فادحة
اقتصادياً، الاتفاق بمثابة طريق أحادي الاتجاه لصالح الولايات المتحدة. خسر المصدرون الأوروبيون امتيازاتهم في السوق الأميركية، بينما سيطر المنافسون الأميركيون على قطاعات أوروبية حيوية. تُركت صناعات رئيسية مثل الصلب والأدوية بلا حماية، بينما طغى التفضيل الأميركي في قطاعات الزراعة والاستهلاك. والأسوأ أن الاتحاد تخلّى عن أدوات الرد المستقبلية، كفرض رسوم على الخدمات الرقمية.
استثمار قاتل للقدرة الاستراتيجية
تعهد فون دير لاين باستثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة يُعد رسالة كارثية. ففي وقت يعاني فيه الاتحاد الأوروبي من تدفقات استثمارية خارجة، كانت الحاجة ماسة لتقوية الداخل لا تمويل الخارج. بدلاً من أن تعزز أوروبا قوتها الاقتصادية، تبرعت برأسمالها الاستراتيجي لأميركا مجدداً.
خلفيات الانهيار
سعت جميع الدول الأوروبية لتجنّب رسوم ترامب الجمركية البالغة 30%. لكن ألمانيا وإيرلندا، تحت ضغط شركات السيارات الكبرى وشركات التكنولوجيا الأميركية، كانتا الأكثر استعداداً للتنازل. فالعقود الضريبية التفضيلية وخطط نقل الإنتاج إلى أميركا لا تمثل مستقبلاً يمكن لأوروبا أن تراهن عليه.
فشل القيادة
في نهاية المطاف، كانت فون دير لاين هي من تراجعت. فريقها أحكم السيطرة على المفاوضات في اللحظات الأخيرة، ودخل الاجتماع الأخير مستعداً للرضوخ فقط. لم يكن هناك خطة بديلة أو استعداد للمواجهة، مما فتح الطريق أمام ترامب لفرض شروطه دون مقاومة تُذكر.
السيناريو البديل: ماذا لو رفضت أوروبا؟
لو واجهت فون دير لاين الشروط الأميركية بالرفض، لربما واجهت أوروبا بعض الاضطرابات المؤقتة. لكن الأرجح أن النتيجة كانت ستكون تأجيلاً، ثم مفاوضات جديدة واتفاقاً أكثر توازناً لا يضحّي بالمصالح الأوروبية طويلة الأمد.
من بريكست إلى ترامب: نمط التنازل
المشهد يذكّر بنهاية مفاوضات بريكست قبل سنوات، حين استسلمت فون دير لاين لمطالب بوريس جونسون، قبل أن تتراجع بضغط من مفاوضين أكثر حزماً داخل الاتحاد. اليوم، تدير المفوضية بقبضة شبه رئاسية دون رقيب داخلي فعّال، وهو ما يزيد من خطورة صفقاتها مع خصوم أوروبا الجيوسياسيين.
اتفاق مؤقت وقابل للتفكيك
ما يُعرف بـ”الاتفاق” لا يزال هشاً. لم يُوقَّع أو يُدوَّن رسمياً، والمفاوضات بشأنه لا تزال مستمرة وسط خلافات بين واشنطن وبروكسل حول تفسير بنوده. الاتفاق بحاجة إلى موافقة الدول الأعضاء الـ27، وترجمته إلى قانون أوروبي رسمي، ما يتيح فرصة لتعديله أو حتى إسقاطه.
بوادر المعارضة تتصاعد
رغم دعم ضمني من ألمانيا وإيطاليا، تواجه الصفقة معارضة سياسية متنامية، خاصة من أحزاب اليمين والمعارضة التي ترى فيها خيانة للمصالح الأوروبية. في البرلمان الأوروبي، وصف رئيس لجنة التجارة بيرند لانغه الاتفاق بأنه “عدم تكافؤ راسخ”، بل وصفه صراحة بـ”بؤس محض”.
مؤشرات ضعف في موقف ترامب
الوضع الداخلي الأميركي لا يُعزز موقف ترامب. بيانات اقتصادية ضعيفة واضطرابات في البورصة تشير إلى هشاشة أوراقه التفاوضية، ما يجعل التهديدات الجديدة بفرض رسوم جمركية مجرد أدوات ضغط سياسي وسط حملة انتخابية مرهقة له.
فرصة أخيرة لتصحيح المسار
على أوروبا أن تتذكر درس بريكست: لا اتفاق حتى يتم الاتفاق على كل شيء. لا يزال أمام حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان فرصة لتغيير المسار، ووقف هذا الانزلاق نحو التبعية الاقتصادية والسياسية للبيت الأبيض.
الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي وترامب لا يعكس توازناً أو شراكة عادلة، بل هو تنازل سياسي واقتصادي مؤلم. لا يزال الوقت متاحاً لتعديل المسار واستعادة الكرامة الاستراتيجية لأوروبا. ما تحتاجه بروكسل ليس توقيع الاتفاقات فحسب، بل إرادة للدفاع عن مصالحها ومبادئها أمام ضغوط القوى العظمى.




